الخميس، ٢٣ نوفمبر ٢٠٠٦

المنارة ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى

المنـارة
قصة محمود البدوى

كان الدكتور عبد الفتاح من أبرع الأطباء الشبان .. وكان قد قضى ثلاث سنوات فى الخارج يدرس طب المناطق الحارة .. فلما عاد إلى مصر اشتغل سنتين فى مستشفى الدمرداش بالقاهرة ثم انتقل طبيبا لوحدة مجمعة باحدى قرى الصعيد ..

وكان متزوجا من شابة جميلة ومتعلمة مثله .. ولكنها رفضت أن تذهب معه إلى الريف .. فسافر وحده وأقام فى البيت الذى أعدته له الحكومة ..

وكان يعمل باخلاص وعن عقيدة متمكنة ، وقد أفادته رحلته فى الخارج ، فأصبح أكثر تجربة ودراية بأحوال البشر ..

وكان هو المحرك فى الواقع للمجمع كله .. وعليه يتركز العمل .. لأن باقى الموظفين كانوا يتركونه بعد أن ينتهى عملهم ويسرعون إلى بيوتهم فى البندر .. أما هو فكان يبقى ويغرى الموظفين على البقاء .. لأنه كان يعتقد أن الريف المصرى لايمكن أن يتقدم أبدا .. مادام الموظفون يتركونه إلى المدينة ..


وكان يعتقد اعتقادا راسخا .. أن هذا المجمع نفسه .. سيخيم عليه الظلام وينسج عليـه العنكبوت خيوطه إذا ترك أمره للتمورجى والخفير .. وفراش المدرسة ..

وفى الشهر الأول من قدومه .. قابله الفلاحـون بالصدود والتوجس .. وكانوا يتركونه ويذهبون إلى أطباء البندر ..

وظل فى حيرة حتى عرف السبب .. فقد كان الطبيب الذى قبله يمتص دماءهم ويفرض عليهم أن يأتوا إلى عيادته ليتقاضى منهم أتعابه أضعافا مضاعفة .. فكره المرضى من الفلاحين المجمع .. وأصبح بناية بيضاء من غير روح تسيره ..

وظل الدكتور عبد الفتاح .. يقاوم هذا الجفاء بانسانيته وبصيرته حتى أعـاد ثقة الفلاحين إلى بناية الحكومة .. وتدفق عليه الناس كالسيل .. وكان المرضى يأتون إليه من كل القرى المجاورة ..

وكان إذا سمع بمريض عاجز عن الحركة يذهب إليه بنفسه .. ويظل يتردد عليه حتى يشفى ولا يتقاضى منه أجرا على الاطلاق ..

وإذا ذهب إلى البندر يكون كل همه أن يحصل على الأدوية النادرة التى تنفع الفلاحين .. وتعالج أمراضهم المزمنـة .. ويدفـع ثمنها من جيبه ..

وفى خلال فترة قليلة .. تحول الفلاحون إليه بقلوبهم .. وأصبح معبودهم وأدركوا أنه المصباح الحقيقى المنير فى القرية ..

وكان هو يشعر بسعادة غامرة .. وهو يرى الوجوه المنقبضة تتفتح للحياة وتتطلع إلى المستقبل ..

وكان الماضى يمزقهم .. خـداع الموظفين لهم .. واستغلالهم جهلهم .. وحيل الصراف عليهم .. وغشهم فى الشونة وسرقتهم فى الميزان .. عند توريد المحصول .. ومشاكل السماد والبذور .. ومياه الرى .. واضطرارهم .. إلى الاستدانة بالفائدة الباهظة ..

ثم الآفات الزراعية التى تنزل بهم .. كل هذه الأشياء حطمتهم .. وجعلتهم .. يمكرون .. ويسرقون .. ويكذبون .. ويخدعون .. ويقتل بعضهم بعضا ..
وكانوا يتوجسون شرا .. من كل شىء جديد ..

ولما قام المجمع .. بعيدا عن القرية .. تطلعوا إليه فى وجوم .. فلما سرت فيه الروح الإنسانية .. وأصبح منارة فى هذا الظلام .. أقبلوا عليه .. ونسوا الماضى كله ..

وسر الدكتور عبد الفتاح من نجاحه فى الريف .. سر لأنه استطاع أن يلمس قلوب الفلاحين .. وكان يزورهم فى القرية ويقضى الليل فى مجالسهم فى " المندرة " .. يستمع إلى شكاياتهم .. وأحاديثهم عن الزراعة وأحوال السوق ..

وكان الشىء الذى يحزنه .. أن زوجته بقيت فى القاهرة وتركته يجابه الحياة وحده ..

وكان يفكر فى أن يجعل حول البيت حديقة ناضرة .. وفى وسط الحديقة تكعيبة عنب ..

ويجعل من البيت جنة صغيرة تغنيه عن الذهاب إلى أى مكان ..

وكتب لزوجنه يصف أحلامه وما يعده لها ليحبب اليها الريف ويرجوها أن تحضر ولو فى زيارة قصيرة .. وردت عليه بأنها ستحضر فى يوم الخميس .. لتقضى معه أياما قليلة ..

وذهب ينتظرها على المحطة وعاد بها إلى بيته .. ورأت بعينيها البيت صغيرا ونظيفا .. ومضاء بالكهرباء .. وحوله الغيطان .. ولكن كيف تعيش وحيدة .. وسط أشجار النخيل .. ومع من تتحدث ومع من تقضى النهار .. وإلى أين تذهب فى الليل .. ولمن ترتدى الفساتين الشيك .. ولمن تتزين ..

قضت أربعة أيام فى عذاب وكأنها تعيش فى واحة .. وفى اليوم الخامس قررت أن تعود إلى القاهرة ..

وطلب الدكتور سيارة من البندر .. لتقلهما إلى المحطة ..

وفى الوقت الذى وصلت فيه السيارة .. جاءه خفير المجمع .. وأخبره أن فلاحا مريضا بالخارج فى حالة اعياء شديد يطلب الكشف ..

وأسرع إليه الطبيب فوجده بين الحياة والموت .. وكان قلبه فى حالة هبوط شديد فأعطاه حقنة مقوية ..

ولكن الرجل مات فى أثناء الحقنة .. وتألم الطبيب .. وصرخ أهل الميت .. وسرى خبر فى القرية .. أن الدكتور عبد الفتاح قتل الشيخ عبد الجليل بالحقنة التى أعطاها له ..

وتجمـع أهـل الميت .. وزحفوا على بيت الطبيب وفى عيونهم الشر .. وخرجت طلقة من أحد الفلاحين .. زادتهم هياجا .. ونسى الفلاحون كل حسنات الطبيب فى ساعة واحدة .. وتحولوا جميعا إلى وحوش ..

وبقى الطبيب فى الداخل يقابل هياجهم بالهدوء .. والصمت ..

وكان الخبر قد وصل إلى وكيل العمدة فأسرع إلى المكان .. ونهر الفلاحين وضرب الذى أطلق النار .. وقال لهم فى غضب :
ـ هل نسيتم كل ما فعله لكم الرجل .. انكم أنذال حقا .. ولا تستحقون الخير من انسان ..

واستمر يعنفهم ويوضـح لهم حقيقة الأمر .. حتى هدءوا وانصرفوا ..

***

وقالت ناهد لزوجها الطبيب .. بعد أن انصرف الفلاحون ..
ـ كيف تعيش وسط هؤلاء الوحوش ..؟
ـ هذا لامناص منه .. لأعيد إليهم انسانيتهم .. التى سلبت منهم على مدى السنين ..
ـ وهل أنت مسئول عن هذا ..؟
ـ إذا لم أكن مسئولا فمن هو المسئول ..؟
ـ ولكنك ستلاقى العذاب .. والأمر سيطول ..
ـ هذا صحيح .. ولكنى سأصـل إلى بغيتى حتما .. وأنا على يقين ..
ـ ألا تفكر .. فى النقل ..؟
ـ أبدا .. لن أفكر فى هذا .. سأبقى هنا .. لتظل هذه المنارة .. مضاءة ..
ـ إذن سأبقى معك .. لايمكن أن أتركك وحدك بعد اليوم ..

وسر منها وطوقها بذراعيه .. وطبع على فمها قبلة ..

وصرف العربة التى كانت ستقلهما إلى المحطة ..

====================================
نشرت فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " غرفة على السطح " فى مايو 1960ومجموعة " قصص من القرية " ـ مكتبة مصر ط 2006
====================================




ليست هناك تعليقات: